السيد كمال الحيدري
339
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
الرشد من الغيّ فهو حرّ طليق لا يُكرَه على الإسلام في شيء ، فإن بُيَّن له ذلك ولم يُسلم أُكره على ذلك ؛ وهو قول لا يُعلم له منشأ واضح ، وقد تعرَّض له الفيض الكاشاني في تفسيره الصافي « 1 » ، كما تعرَّض لأقوال أُخرى ، وتنصَّل عنه في الأصفى في قوله : ( واتّضح أنَّ الإيمان رشد يوصل إلى السعادة الأبدية ، وأن الكفر غيّ يؤدّي إلى الشقاوة السرمدية ، فلا حاجة إلى الإكراه . . . ) « 2 » . التبيين استراتيجية الإسلام في الانتشار جدير بالذكر أنَّ التعليل بالتبيين هو الأنسب للسير التأريخي في نشر الإسلام وانتشاره ، بمعنى أنَّ علّة انتشاره تكمن في بياناته وحقَّانيته لا في سطوة السيف ، فقد حاول المستشرقون الترويج لفكرة انتشار الإسلام بالسيف لا بالفكر ، ولكنَّ القرآن الكريم يرفض هذه الفكرة الخاطئة ، ويدعم فكرة الانتشار بالتبيين ، فهو لم يُكره أحداً على اعتناقه ، وإنما جعل التبيين هو المنفذ الحقيقي لقبول الآخر به ، فالقرآن الذي بدأ بكلمة : ( اقرأ ) وخُتِم بكلمة : وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِيناً ، يكشف لك أنَّ الإسلام المقبول هو الإسلام المُبتني على الفكر والاختيار ، لا الإسلام المُبتني على سلطة السيف ، فكلمة : اقرأ التي تحمل في طيّاتها الدعوة للتأمّل والتفكّر والتدبّر هي رأس مال القبول والرضا ، وبالتالي فإنَّ التبيين هو مادّة الجذب ، كما أنَّ السيف هو مادّة الطرد ، وهذه سنّة تأريخية في مسيرة الإنسان . ومن الأدلّة التأريخية على ذلك : أنَّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله ومن معه من المسلمين لم يُجبروا أو يُغروا أحداً على اعتناق الإسلام طيلة مكوثهم في مكّة المكرمة ، بل لم يُدافعوا عن أنفسهم ، رغم أنهم كانوا يتلقَّون الضربات
--> ( 1 ) انظر : تفسير الصافي : ج 1 ، ص 283 ، رقم : 256 . ( 2 ) انظر : التفسير الأصفى ، للفيض الكاشاني : ج 1 ، ص 121 . .